كلمة نيافة أنبا إرميا في مؤتمر “الدعوة الإسلامية والسلام العالمي.. تحديات الواقع وآفاق المستقبل”

كلمة نيافة أنبا إرميا في مؤتمر “الدعوة الإسلامية والسلام العالمي.. تحديات الواقع وآفاق المستقبل”

شارك نيافة الأنبا إرميا الأسقف العام رئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي صباح الثلاثاء 1 نوفمبر 2022م، في المؤتمر العالمي الدولي الثاني لكلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة – جامعة الأزهر بعنوان ” الدعوة الإسلامية والسلام العالمي.. تحديات الواقع وآفات المستقبل”

وألقى نيافته كلمة جاء بها ….

باسم الإله الواحد الذي نعبده جميعاً

أشكر الأستاذ الدكتور سلامة الغول، رئيس جامعة الأزهر بهذة الدعوة الكريمة من كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر، هذه الجامعة العريقة التي توجد على أرض مصر وفى أكثر بلاد فى العالم، الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن الدويني وكيل الأزهر، الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ عضو هيئة كبار العلماء والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر، الأستاذ الدكتور أحمد حسين محمد إبراهيم عميد كلية الدعوة، الأستاذ الدكتور أيمن أبو عمر وكيل وزارة الأوقاف، أصدقائي الحضور نواب جامعة الأزهر الأستاذ الدكتور محمود صديق نائب رئيس الجامعة والأستاذ الدكتور محمد حسين المحرصاوي رئيس جامعة الأزهر السابق وجميع الرؤساء جامعة الأزهر الحاضرين والأستاذ الدكتور عباس شمان وكيل الأزهر الأسبق وكل الحضور الكريم عمداء وأساتذة وطلاب.

إن هذا المؤتمر الدولي العلمي الثاني الذي ينعقد عن السلام العالمي “تحديات الواقع وافاق المستقبل” ويرعاه فضيلة الأمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، الذي لايكل ليلًا ونهارًا على الحفاظ على السلام العالمي داخل مصر وخارجها.

الحقيقة السلام أصبح الحلم الذي تبحث عنه البشرية، تسعى لتحقيقه في كل عصر من العصور، وإن كان قد أمتلأ بعواصف القلق وأمواج التوترات التي تحاول أن تغرق الإنسانية، السلام هو سر الحياة وهو سر القوة التي تعمر وتبني واختفاء السلام ليس له إلا معنى واحد استدعاء الدمار والهلاك للبشرية، وحينما كانت المجتمعات تعيش في السلام كانت تزدهر وتُبنى وتتقدم حضارتها وهذا هو المطلوب للبشرية، وحينما عاش العالم الحروب والانقسامات بكل ما فيها من توترات واضطهادات وقتال حربي عرف العالم الخوف والكراهية والدمار، والأديان تسعى دائماً لإنقاذ الإنسان من الهلاك، من الشر وتدفعه أن يعيش في سلام، سلام مع الله سبحانه وتعالى في سلوكه في طريق التوبة والمحبة والخير والفضائل، سلام مع الناس الذين يعيشون حوله في احترام إنسانيتهم وحقوقهم واحترام حرياتهم والتعامل معهم بود وتعاطف، سلام مع الإنسان نفسه حينما يقبلها ويطورها ويحقق النجاح في طريق الحياة.

تحقيق السلام يبدأ أولا داخل كل واحد منا، ويوجد قول جميل أريد أن أردده فى هذه اللحظة: “السلام يبدأ من داخل كل واحد منا فعندما يكون لنا سلام داخلي سيكون بوسعنا أن نكون في سلام خارجي مع من حولنا”، ويقول الشاعر والكاتب مخائيل نعيمة: “السلام لا يولد في المؤتمرات الدولية بل في قلوب الناس وافكارهم”، ولكي نستطيع أن نحقق هذا المفهوم ونستطيع أن نصل إلى عمق هذا المؤتمر القوي علينا أن نفهم التدين بشكل سليم.

فلسلام في الإسلام هو اسم من اسماء الله فجاء في سورة الحشر وقال: “ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ” وفي المسيحية سمعنا أنه إله السلام وملك السلام ومصدر السلام، فالأديان عمومًا تدعوا إلى السلام بشكل واضح ومباشر.

نادت الأديان بالسعي لتحقيق السلام فجأ في التوراة وقال:”اطْلُبِ السَّلاَمَةَ، وَاسْعَ وَرَاءَهَا” وقال “اَلْغِشُّ فِي قَلْبِ الَّذِينَ يُفَكِّرُونَ فِي الشَّرِّ، أَمَّا الْمُشِيرُونَ بِالسَّلاَمِ فَلَهُمْ فَرَحٌ” “اقْضُوا بِالْحَقِّ وَقَضَاءِ السَّلاَمِ فِي أَبْوَابِكُمْ.” هذا ما ورد فى التوراة.

وجاء في الأنجيل وقال “طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ” “ثَمَرُ الْبِرِّ يُزْرَعُ فِي السَّلاَمِ” والله قد دعانا في السلام، “عيشوا بالمحبة السَّلاَمِ، وَإِلهُ الْمَحَبَّةِ وَالسَّلاَمِ سَيَكُونُ مَعَكُمْ” وقال أيضًا “اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ” بل أكثر من هذا يقول الأنجيل “وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟” بل قال “أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ”.

وهذا أيضًا ما نجده فى الأسلام حينما جاء فى القرآن وقال “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً” وأيضًا قال “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” ان عبارة لتعارفوا هدف قوي وعميق فالله يريد من جميع البشر أن يتعارفوا وأن يعيشوا على أساس الود والسلام والمحبة، وحينما خاطب قال يا أيها الناس فلم يقول يا أيها المؤمنو أو يا أيها المسلمون بل خاطب الناس جميعًا ولذلك جاء فى الحديث وقال “أفْشُوا السَّلامَ بيْنَكُمْ” .

وبصفة خاصة يدعو الأسلام إلى التعامل الطيب مع أهل الكتاب فجاء في سورة آل عمران وقال” مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ” هذه الآية تلخص ما هو موجود في المسيحية، واليهودية، والاسلام، وجاء في سورة الحديد حينما تكلم عن المسيح ابن مريم “وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً”، وذكر في سورة المائدة وقال “لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ” ولذلك جاء في الحديث وقال “اسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ خَيْرًا، فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَهُمْ نِعْمَ الْأَعْوَانُ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ” ولكن قد يحث أحيانا الإنسان يفقد سلامه بسبب حماسه الديني او شىء شابه ذلك، فنذكره بما جاء في سوره الغاشية “فَذَكِّرۡ إِنَّمَاۤ أَنتَ مُذَكِّر لَّسۡتَ عَلَیۡهِم بِمُسَيْطِرٍ” فجاء في سورة المائدة “مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ” فوظيفة الإنسان منا أن يبلغ رسالة الحق للآخرين وفي سورة يونس قال “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ” وهذا أيضًا ما جاء فى سورة البقرة حينما قال “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ” ووضع صورة للتعامل مع أهل الكتاب جائت فى سورة العنكبوت حينما قال “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ”.

كل هذا يؤيد ويؤكد أن الموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هى أحسن هذه صورة الأديان الصحيحة التى تولد السلام وتولد الحب وتبعد عنا أى انشقاقات وفي قراءاتي حينما بحثت من هم الذين نريد ان نقاتلهم؟ لم اجد الا آية واحده فى سورة الممتحنة حينما قال” لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”.

أحنا بندافع عن عرضنا، بندافع عن وطنا، بندافع عن وحدتنا، بندافع عن سلامنا ولذلك مواقف التاريخ كلها واضحة لا يوجد قائد في التاريخ إلا واتبع ما جاء في الكتب السماوية وفي الأديان وتتفقوا إلا ونجح وصارت بلاده كلها أزدهار.

أتذكر حينما جاء الخليفة الثانى عمر بن الخطاب وأستلم بيت المقدس فأعتذر أو رفض الصلاة داخل الكنيسة وقال لأسقف بيت المقدس “لـ ألا يأتي بعدي مسلمون يأخذوها ويقولون ها هنا سجد عمر”، أعطى صورة جميلة عن التسامح وسجد خارج كنيسة القيامة حيث بنى جامع عمر فيما بعد، أكثر من هذا أوصى قبل موته بحفظ العهود والمواثيق لغير المسلمين وعدم تكليفهم بما لا يتيقون.

الصورة هذه واضحة نراها الأن في أرض مصر، صورة من التسامح والحب حينما يبنى مسجد الفتاح العليم وكاتدرائية ميلاد المسيح ويتم الافتتاح في ليلة واحده بوجود رئيس الجمهورية السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى ومعه فضيلة الأمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب وقداسة البابا تواضروس الثاني.

وأذكر أن معظم الحاضرين كانوا موجودين في هذا الافتتاح فهذا دليل على السلام، وعلى التآخي وهذا ما هو قدمته لنا العهود والمواثيق التي تحدث عنها التاريخ الإسلامي.

أذكر وذكر في هذا الفيلم “دستور المدينه” الميثاق الذى أعطى لنصارى نجران والميثاق الذي أُعطى لقبيلة تغلب، ووصية أبى بكر الصديق لآسامة ابن يزيد، ووصية عمر بن الخطاب قبل موته، وميثاق خالد بن الوليد لأهل دمشق، وميثاق عمرو بن العاص لأقباط مصر وعلاقته الخاصة بالبابا القبطي الأنبا بنيامين البطريرك رقم ٣٨ حيث سلمه كل الكنائس التي كانت دولة الروم قد أخذتها من الأقباط وأعاده إلي كرسيه وأعطاه الأمان.

هذا ما أوصى به الأمراء والخلفاء والحكام بحسن معاملة غير المسلمين وتفقد أحوالهم.

الحقيقة قبل أن أختم كلمتي أقول أن السلام وبناء المجتمعات يكون على أساس العدل بين البشر جميعاً فقال” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى” وقدم لنا التاريخ صورا عديدة للمجتمعات التي غشاها الظلم فكانت نهايتها التفكك والإنهيار فتكون قوة الأمم والملوك والرؤساء في عدلهم، ولكى نحقق السلام يجب أن نحقق العدل بين البشر ونسعى على تحقيقه، ولكى نغير جميعاً العالم وندعوا للسلام فليبدأ كل إنسان منا بأيقاد شمعة السلام داخل نفسه، أذا أردت أن تغير العالم فكن أنت التغيير الذي تريد واشكركم جميعا لحسن استماعكم ولهذه الدعوه الكريمة.

التعليقات