مبادئ – «قارئ الكتب» – 14/11/2015

مبادئ – «قارئ الكتب» – 14/11/2015

   يقول الكاتب الأمريكيّ “مارك توين”: “السفر يَقهَر: التحيز، والتعصب، وضيق الأفق.”. نعم، فالسفر يخرج بك من ذٰلك الإطار البسيط للحياة إلى اتساع آخر وعمق أكبر فيها؛ فتلتقي أشخاصـًا ليسوا مثلك، وأفكارًا ليست هي ما اعتده، فترتسم الحياة لديك بأشكال وأنواع جديدة.
   وإحدى وسائل السفر، لا بالنسبة إلى المكان فحسب، في الزمان أيضـًا: هي الرحلة التي تقوم بها عبر قراءتك الكتاب. فكما يقولون: “يبدأ السفر من الكتاب”. وأيضـًا: “حين تبدأ في قراءة أحد الكتب، فإنك تسمع صوت شخص آخر، ربما مات منذ قرون طويلة! فالقراءة رحلة عبر الزمن.”. وفي رحلتك مع الكتاب، أنت تفتح لذهنك وأفكارك ومشاعرك آفاقـًا جديدة تُطِل فيها على الماضي السحيق الذي لم تعِشه، وتتعرف الحاضر الذي يحياه العالم من حولك، وترى المستقبل في عيون الآخرين وأحلامهم وآمالهم. وربما تقودك الرحلة إلى مكان ترى تفاصيله بعُيون ذهنك، وتتعرف عادات وتقاليد لم تكُن يومـًا ما جزءًا من حياتك وبها تفهم ثقافات شعوب لم تعرفها فتصبح قطعة من ثقافتك. 
   عندما تبدأ تَجوالك في صفحات الكتاب، تلتقي أحداث وخبرات لبشر عاشوا الحياة، فمِن حياتهم تتعلم وتدقق في معاني الحياة فتكتسب الحكمة والخبرة. إننا حين نرى العقبات التي صادفها الآخرون في حياتهم وكيف تصرفوا حيالها، تتسع آفاق فكرنا وقدرات احتمالنا. من هو الإنسان الذي لم يتعلم من حياة العظماء الذين تغلبوا على الإحباط واليأس والكبوات التي مرت بهم في دنياهم، حتى تسنَّى لهم الوصول إلى غاياتهم وأهدافهم النبيلة التي حققت الخير للإنسانية. ومن هو الذي لم يزدَد صبرًا وأملاً عندما قرأ عن الإنجازات التي حققها أولٰئك الذين اعتبر العالم مصيرهم حياة بائسة، مثل المعجزة “هيلين كيلر”. يقول أحدهم: “لم تمر بي أبدا أية محنة لم تخففها ساعة أُقَضّيها في القراءة.”؛ ففي القراءة ترحل عن أحزانك، فتهدأ مشاعر الألم في أعماقك، وحينئذ يمكنك أن تُعيد التفكير في أمورك وأنت أكثر هدوءًا، فتتسم مُعالجتك لمشكلاتك بالإيجابية والاتزان. 
   ورحلتك مع الكتاب هي رحلة صوب الثقافة؛ فكما يقول الكاتب الكبير “نجيب محفوظ”: “قارئ الحرف هو المتعلم، وقارئ الكتب هو المثقف.”. وكما نعلم، فإن الثقافة تُعد أولى الخَطوات الأساسية نحو تقدم الأمم ورُقيها، ومنها حياة الفرد نفسه؛ فهي تَزيد من مهاراته وتميزه في المجتمع إذ تجعله يخطو نحو الإبداع والتفرد. كذٰلك لأن الثقافة تقدِّم إلى الإنسان الفَهم والوعي بما يجري من حوله فيخطو بخُطًى ثابتة نحو حياة ومستقبل عظيمين. إن الثقافة كما يُطلق عليها في المعاجم: “الحِذق”، و”الفَهم”، و”الإدراك”، لا هي المعرفة المعلوماتية فقط. كما أنها ترسُِم الفارق بين المجتمعات والأشخاص في التقدم والنمو والرقيّ والفكر والإبداع. وبدرجة كبيرة يرتبط الكتاب بحضارة الإنسان ورقيه، فقد قيل: “ليس عليك أن تُحرِق الكتب لتدمر حضارة، فقط اجعل الناس تكُف عن قرائتها وسيتم ذٰلك!”، والحضارة هي دليل ارتقاء المجتمعات وتقدمها.
   وقد شغَل الكتاب أهمية قصوى عند المفكرين والفلاسفة والعلماء، فقال أحدهم: “الأمر الوحيد الذي أندم عليه هو أنه لن يتسنى لي قراءة كل الكتب التي أود قراءتها”، كما قيل: “مهما بلغت درجة انشغالك، لا بد أن تجد وقتـًا للقراءة؛ وإن لم تفعل، فقد سلَّمت نفسك للجهل بمحض إرادتك!”. لذٰلك، احرص على أن يكون لك وقت مخصوص للقراءة كي تفتح لك سبلاً وآفاقـًا جديدة في طريق الحياة.

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات