مبادئ – «مَدين لكِ» – 26/3/2016

مبادئ – «مَدين لكِ» – 26/3/2016

   في طريق الحياة، نسير وتمتلئ الحياة بقِصص ونماذج، منها ما أسعد القُلوب، ومنها ما أحزنها؛ نلتقي قِصص البُطولات وقصص التضحية، ونماذج صارت أضواءً تتلألأ في سماء حياتنا تُنير الطريق، وترسُِم الخُطوات لمن يأتي من بعدها. تتنوع القِصص وتختلف أحداثها، إلا أنها تحمل معاني لا تُنسى عبر الزمن. ولٰكننا جميعًا محفور في قلوبنا دَور الأم العظيم في حياة البشر، فيقول المثل الروسيّ: “الأم تصنع الأمة”، وقيل أيضًا: “إذا أردتَ أن تعلِّم فردًا، فعلِّم شابًّا. أمّا إذا أردتَ أن تعلِّم أمةً، فعلِّم امرأةً”؛ ولذا أقدم بعض المبادئ التي تتسم بها الأم في كل مكان وزمان.

عطاء بلا حُدود
   تُعد الأم نهرًا متدفقًا لا يتوقف من العطاء لأسرتها وأبنائها، فهي: دائمة الانشغال بهم، لا تتذكر نفسها أو احتياجاتها، واضعةً أبناءها في المقدمة، وفي أوقات الخطر تنبري مدافعةً عنهم بكل إمكاناتها وقوَّتها؛ وقد قيل عنها: “إنها الإنسان الوحيد الذي لا يتذكر أن يدعو لنفسه في الصلاة، إذ تكون منشغلة بالدعاء لأبنائها!”. إن محبة الأم وعطاءها مِثل البحر الذي تقف عند شاطئه فلا تستطيع أن تصل إلى نهايته! إنه حب عظيم لا يعرف الحُدود! يقول “آبراهام لينكولن”: “إني مَدين لكِ بكل ما وصلت إليه، و ما أرجو أن أصل إليه من الرِّفعة، لأمي الملاك!”، والأديب الشاعر اللُّبناني “جُبران خليل جُبران”: “إن الأم هي كل شيء في هٰذه الحياة: هي التعزية في الحَُزَْن، والرجاء في اليأس، والقوة في الضَّعف”.

تضحية حتى الموت
   الأم هي الإنسان الوحيد الذي يملِك الاستعداد والقدرة على التصدي للأخطار لإنقاذ أبنائها، بل التضحية من أجلهم؛ فكل ما تملِك هو رخيص إذا قورن بسعادة أبنائها! وتقُص علينا الأيام ملايين قِصص التضحية التي تقدمها الأم من أجل أبنائها. فتلك أم انحنت فوق جسد ابنها الرضيع في أثناء أحد الزلازل لتحميه، لتقضي هي نحبها، تاركةً له رسالة محبتها: “إذا كنتَ تستطيع البقاء على قيد الحياة، يجب أن تتذكر أنني أحبك”! وبهٰذا الحب المضحي أنقذت حياة طفلها. وأم أخرى يتعرض طفلها لحادث ويفقد إحدى عينيه، فتقدم له عينها، وتعيش حياتها بعين واحدة من أجل ابنها!

احتمال لا يضعف
   الأم أيضًا هي نموذج للاحتمال في حياة أبنائها؛ فهي التي تحتمل أتعاب السهر والرعاية والجَهد لأجل حياة أسرتها وإسعادها، وهي كثيرًا ما تحتمل الضُّغوط النفسية والجسدية لتقدم مزيدًا من السعادة لأبنائها، وفي الوقت نفسه، تحتمل عناد أبنائها وأخطاءهم، إذ هي تحمل قلبًا لا يعرِف إلا الغفران. فكم من أبناء قسَوا على أمهاتهم، وفي المقابل لم يجدوا منهن إلا كل حب واهتمام ورعاية! أتذكر تلك القصة التي تقول إنه في أحد الأيام أراد الابن أن يتخلص من أمه العجوز!!! فحملها إلى داخل الغابة ليتركها هناك. وبينما هو يسير في الطريق، لم تنشغل الأم إلا بابنها، فكانت تأخذ ما يصل إلى يدها من أوراق وأفرع للشجر وتلقيها في الطريق. وتوغل الابن في الغابة، ثم ترك أمه فيها. وبينما هو يستعد للعودة، قالت له أمه: إني ألقَيتُ أوراق الشجر وأفرعه في الطريق لئلا تضل طريق عودتك، يا ولدي!! وهنا أدرك الابن ذٰلك الكَنز من الحب الذي يفوق ثروات الكَون؛ فعاد على الفور بأمه. ربما تكون القصة رمزية، لٰكنها تقدم احتمالاً لا يضعف أمام قسوة أبناء.
أتقدم بالتنهئة إلى كل أم في عيدها، تقدِّم وتبذُِل لأجل أبنائها وأسرتها؛ التي من خلال دَورها العظيم تعمل لأجل بناء المجتمع ونموه ورقيه.

الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

التعليقات