مصر الحلوة 230 – «جائزة الإمام الحسن بن على للسلم» – 17/12/2017

مصر الحلوة 230 – «جائزة الإمام الحسن بن على للسلم» – 17/12/2017

   

   مع انتشار المَوجات الإرهابية فى العالم، أصبحت الحاجة إلى تحقيق السلام من أهم متطلبات عصرنا الحالى، فبالسلام يتمتع البشر بالهدوء والطمأنينة فيجدِّون فى سعيهم ويُنتجون، وفى غيابه يتحول العالم إلى غابة وأشباه بشر فقدوا ما وهب الله- تبارك اسمه- لهم من إنسانية. لذلك أصبح واجبًا علينا جميعًا أن نتكاتف من أجل تحقيق ذلك السلام المنشود.

   وقد شهِدت «أبوظبى» فى دولة «الإمارات العربية المتحدة»، الأسبوع الماضى، الملتقى الرابع لـ«منتدى تعزيز السلم فى المجتمعات المسلمة» بعنوان: «السلم العالمى والخوف من الإسلام قطع الطريق أمام التطرف»، حيث شارك 700 من علماء الدين الإسلامى والمَسيحى من مختلِف بُلدان العالم فى أعمال المنتدى. وقد شرُفتُ بالدعوة الكريمة السنوية للمشاركة فى هذا المنتدى الذى امتلأ بجو من التسامح والسلام والأخوة.

«جائزة الإمام الحسن بن على للسلم الدُّولية»

   اختير «بيت العائلة المِصرية» لجائزة «الإمام الحسن بن على للسلم الدُّولية» لهذا العام: تسلم الجائزة فضيلة أ. د. «محمود حمدى زقزوق»، عُضو هيئة كبار العلماء، عضو مجلس حكماء المسلمين، الأمين العام لبيت العائلة المِصرية، و«أنبا إرميا» الأمين العام المساعد لبيت العائلة المِصرية، قام بتسليم الجائزة سُمو الشيخ «عبدالله بن زايد» وزير الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وسُمو الشيخ «نهيان بن مبارك آل نهيان» وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع لدولة الإمارات العربية المتحدة، والشيخ «عبدالله بن بيه» رئيس منتدى تعزيز السلم وعضو مجلس حكماء المسلمين.

   أُطلقت «جائزة الإمام الحسن بن على للسلم الدُّولية» فى الملتقى الثانى لـ«منتدى تعزيز السلم فى المجتمعات المسلمة» عام 2015م، وقد خصصت لتكريم أصحاب الأعمال العلمية، والمبادرات العملية فى صناعة ثقافة السلم وتأصيل قيمتها فى المجتمعات المسلمة من العلماء والمفكرين.

أهداف الجائزة

■ تشجيع التأصيل العلمى لتصحيح مفاهيم السلم والأخوة الإنسانية.

■ ترسيخ الوعى بمقصدية السلام وأهمية تحقيقه بالفكر والحوار.

■ تكريم الشخصيات والمؤسسات التى قدمت إنجازات لنشر ثقافة السلام.

■ ربط الشباب المسلم بالفكر الداعى إلى نشر ثقافة السلم والتعايش السعيد.

■ السعى لتحديث وسائل وآليات ومناهج مخاطبة وإقناع الشباب المسلم كى لا ينزلق إلى العنف.

السلام والتعددية

   إن واقع اليوم الذى نعيشه جميعًا يرتفع بصيحات، فى كلمات أو صمت، عن احتياجنا الماس إلى الابتعاد سريعًا عن هُوة التعصب والإرهاب التى يقف العالم متأرجحًا على مشارفها، فكما ذكرت فى كلمة ألقيتها: إن «السلام» هو جوهر تعاليم الأديان فهو فى «الإسلام» اسم من أسماء الله: ﴿اللهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾، وفى «المَسيحية» نقول عن الله إنه: «إلهُ السلام»، و«ملكُ السلام»، و«مصدرُ السلامِ للجميع». لقد اتفقت الأديان على أهمية السلام للإنسان. والسلام دعامة قوية فى التعليم الإسلامى فى كثير من السور، منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِى السِّلْمِ كَافَّةً﴾، وفى المَسيحية: «طُوبَى لِصَانِعِى السَّلاَمِ»، «وَثَمَرُ الْبِرِّ يُزْرَعُ فِى السَّلاَم».

   يُعد قَبول «التعددية» فى المجتمعات أحد المبادئ المهمة لتحقيق السلام المنشود بين أفراد المجتمع الواحد، وبين المجتمعات العالمية على اختلاف معتقداتها وأفكارها وعباداتها وأجناسها: «فالتعددية» هى مفهوم يعبّر عن حق جميع البشر فى التعايش فى المجتمع المحلى أو الدُّولى على اختلاف آرائهم، وفى المشاركة الإيجابية البناءة.. والعيش معًا أو قَبول الآخر لا يعنى فرض أفكار الآخرين عليك، ولا التخلى عن مبادئ الفرد ومعتقداته، أو تبنِّى ديانة الآخر أو مذهبه، إنما يعنى ببساطة أن نعيش حياة إيجابية كريمة معًا.

   من هنا، فإن تعزيز قيمة التنوع فى مجتمعاتنا لابد أن يبرز فى التعاليم الدينية بناءً على المفاهيم والقيم الجوهرية للدين، التى تعظّم الرحمة والمحبة، وترفض الاستعلاء.

فى «الإسلام»

   ■ يقدم «الإسلام» صورة للتعايش السلمى من خلال تقديم صورة لعلاقة الإنسان المسلم بغيره تقوم على مبدأ السَّلام: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وعبارة «لِتَعَارَفُوا» هدف قوى وعميق، فإن الله يريد من البشر أن يتعارفوا جميعًا، وأن يعيشوا على أساس من الود والمحبة.

■ وأيضًا: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾،

■ ويقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾.

■ وهكذا تكون استباحة القَتل هى لردّ الاعتداء: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، فى الوقت الذى حرّم فيه قتل النفس التى لا تُذنب: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وأيضًا: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.

فى «المَسيحية»

   ■ قدم السيد المسيح قَبولاً لفكر التعددية بمعاملاته مع الجميع باختلاف أفكارهم ومعتقداتهم واتجاهاتهم: فعامل جميع طوائف اليهود، كما شفى كل من التجأ إليه للشفاء من «اليهود» أو «الأمم» أو «الرومان»، وأيضًا قدَّم تعاليمه للجميع فذهب إلى «السامرة»، وقبِل دعوة العشارين، وقدَّم لهم مثل «السامرى الصالح» الذى يعبّر عن أعظم معانى القيم الإنسانية من محبة وخدمة الآخرين دون تفريق.

   ■ علَّمت «المَسيحية» المحبة للجميع فنهت عن الكراهية: «كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ»، وطالبت بالمحبة حتى محبة الأعداء: «… أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ…».

   ■ كما نهت عن القتل فنجد إن إحدى الوصايا العشر هى: «لا تقتُل».

فى «اليهودية»

   أوصى الله الشعب بقَبول الغريب وعدم اضطهاده أو مضايقته، وهذا الغريب قد يكون المختلف مع «اليهودى» فكريًّا أو ثقافيًّا:

■ عدم الاضطهاد أو المضايقة: «وَلاَ تَضْطَهِدِ الْغَرِيبَ وَلاَ تُضَايِقْهُ، لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِى أَرْضِ مِصْرَ».

■ محبة الغريب: «فَأَحِبُّوا الْغَرِيبَ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِى أَرْضِ مِصْرَ».

■ القانون نفسه: «حُكْمٌ وَاحِدٌ يَكُونُ لَكُمْ. الْغَرِيبُ يَكُونُ كَالْوَطَنِىِّ».

■ أعمال الرحمة: «وَعِنْدَمَا تَحْصُدُونَ حَصِيدَ أَرْضِكُمْ لاَ تُكَمِّلْ زَوَايَا حَقْلِكَ فِى الْحَصَادِ. وَلُقَاطَ حَصِيدِكَ لاَ تَلْتَقِطْ».

■ العدل: «وَإِذَا نَزَلَ عِنْدَكَ غَرِيبٌ فِى أَرْضِكُمْ فَلاَ تَظْلِمُوهُ. كَالْوَطَنِىِّ مِنْكُمْ يَكُونُ لَكُمُ الْغَرِيبُ النَّازِلُ عِنْدَكُمْ…».

   إن غرس مفهوم «التعددية» والتعايش مع الآخر من أجل السلام والبنيان للأوطان لن يتحقق بالكلمات، بل بالعمل الجاد المضنى من أجل ترسيخ ذلك الفكر الذى يسعى للنهوض بالمجتمعات والأمم، وبتقديم جوهر الأديان الذى يحترم إنسانية البشر بأعمال وأفعال تثبّت أقدامنا فى سعينا نحو السلام والبناء والسعادة للجميع فى طريق الحياة.

و… وفى «مِصر الحلوة» الحديث لا ينتهى…!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافىّ القبطىّ الأُرثوذكسىّ

التعليقات