يحمل اليوم السابع عشَر من مارس ذكريات لرحيل مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث السابع عشَر بعد المئة في باباوات الكرازة المَرقسية. وإن أردنا الحديث عن قداسته، توقفت الكلمات وجَمَدت الأحرف، فهو بحق إحدى العلامات المِصرية البارزة في التاريخ.
رحلة طويلة امتدت على مدى تسعة وثمانين عامًا تقريبًا، امتلأت بالدراسة والعمل وخدمة لا تتوقف. في عام ١٩٦٢م، سامه “القديس البابا كيرلس السادس” أسقفًا للمعاهد الدينية والتربية الكنسية. ثم في الرابع عشَر من نوڤمبر عام ١٩٧١م، توج بطريركًا على الكرسيّ المرقسيّ، ليرعى أبناءه داخل “مِصر” وخارجها أكثر من أربعين سنة.
حمل المتنيح “البابا شنوده الثالث” قلبًا رقيقًا، ومشاعرًا فياضة في أعماقه ظهرت ومضاتها في أشعاره وكتاباته، فنجده يتحدث في قصيدة “وأبٌ أنت” التي ألقاها في اليوم الأربعين على انتقال “القديس حبيب جرجس”:
أَنْتَ قَلْبٌ وَاسِعٌ فِي حِضْنِهِ عَاشَ جِيلٌ كَامِلٌ أَو عَاشَ شَعْبُ
أَنْتَ نَبْعٌ مِنْ حَنَانٍ دَافِـــــقٍ أَنْتَ عَطْــفٌ أَنْتَ رِفْــقٌ أَنْتَ حُــــبُّ
أمّا مشاعره، فكانت هائمة منطلقة في محبة الله، حتى إنه وصف نفسه في قصيدة “سائح” يقول:
أَنَا طَيْرٌ هَائِمٌ فِي الجَوِّ لَمْ أُشْغَـــــفْ بِوَكْـــــرِ
أَنَا فِي الدُّنْيَـــا طَلِيــــقٌ فِي إِقَـــامَتِي وَسَيْــــــرِي
أَنَا حُـــــرٌّ حِيْنَ أَغْفُـــــو حِينَ أَمْشِي حِيْنَ أَجْرِي
وقد فاقت محبته لله كل محبة أخرى في أعماقه، تلك المحبة التي جعلته يشعر بالغربة عن هٰذا العالم، والاقتراب إلى الله في خُلوة معه، منشدًا:
أَطُوفُ هٰهُنَا وَحْدِي سَعِيدًا فِي بَوادِيــهَا
بِقِيثَــارِي وَمِزْمَــارِي وَأَلْحَــــــانٍ أُغَنِّيـــــهَا
وَسَاعَاتٍ مُقَدَّسَــــةٍ خَلَوْتُ بِخَالِقِي فِيهَا
ويَزيد الزمن من تلك المحبة حتى يكتُب تلك الكلمات الرائعة في قصيدته “يا إلٰهي”:
يَا إِلٰهِي أَعْمَقُ الْحُبِّ هَوَاك يَا إِلٰــهِي لِي اشْتِهَـــاءٌ أَنْ أَرَاك
أَنْتَ مِلْءُ الْعَقْـلِ وَاْلقَلْبِ مَعًــا لَيْسَ فِي غُرْبَةِ الْعُمْرِ سِوَاك
وتَزيد شخصية المتنيح البابا شنوده الثالث كل من عرفه عجبًا وإعجابًا؛ فهو يحمل قلبًا نابضًا بالحب للجميع ومشفقًا على كل ضعيف؛ إلا أنه يملِك في الوقت نفسه قوة وصلابة لا تعرِفان اليأس أو الهزيمة ولا التوقف عن العمل. فمع معاناته في المرض، كان يقضّي الساعات الطوال في اجتماعات وأسفار ولقاءات من أجل الخدمة!! حتى إننا نحن كنا نشعر بالتعب، لٰكنه كان لا يَمَلّ ولا يتوقف عن الاهتمام بكل أمور الكنيسة. كان دائم القول للآباء الأساقفة: “أمامنا طريقان لا ثالث لهما: إما أن نتعب ويستريح الناس، وإما أن نستريح نحن، ويتعب الناس. وأنا بهٰذه السيامة قد دعوتُكم إلى التعب. وثِقوا أن بتعبكم سوف تستريح ضمائركم، وسوف تستريح الخدمة أيضًا.”. وهٰكذا صارت حياته رحلة شاقة دائمًا ما قدم فيها الآخرين عن نفسه فصار أبًا لكل من عرَفه.
الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ