No Result
View All Result
تَحدَّثنا في مقالةٍ سَابِقَةٍ عن العَلَاقةِ العدائيةِ بين السُّلطانِ «قلاوون» ومَغُولِ فارس، الذين سَعَوا إلى احتلال بلادِ الشام، إلا أنَّ «السلطان قلاوون» حاربَهم في حِمْص، في معركةٍ انتهت بهزيمةِ المغول. وفي عام 680هـ (1282م)، تولَّى العرشَ المغولي «أحمد تكودار» الذي اعتنقَ الإسلامَ، وبدأ في توطيد علاقته بالعالم الإسلامي، ومنهم مصر. وفي عام 683هـ (1284م)، تمت إزاحةُ «أحمد تكودار» عن العرش، وتولَّى الأمير «أرغونبن آباقا» الحُكمَ بدلًا منه، وعادَ التَّوترُ يسودُ العلاقاتِ بين المغولِ وبلادِ مصر والشام، ولكن دون التحامات عسكرية. كما ذَكَرنا علاقة «السلطان قلاوون» بمملكة أرمينيا، والإمبراطورية البيزنطية والقوى الأوروبية. وقد تُوفي «السلطان قلاوون» عام 689هـ (1290م)، وتولَّى من بَعدِه الحُكم ابنُه المَلِكُ الأشرف صلاح الدين خليل.
السلطان الأشرف خليل بن قلاوون (689- 693هـ) (1290–1293م)
هو السُّلطانُ الثامنُ من ملوكِ المماليكِ الذين حكموا مصر، فقد آلَ الحُكْمُ إلى الأشرفِ صلاح الدين خليل بعد وفاةِ أبيه السلطانِ «قلاوون»، الذي كان لا يثقُ في قُدرةِ ابنِه على حُكمِ البلادِ، فيذكر محمد سهيل في كتابه «تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام»: «من الثَّابتِ أن المنصورَ قلاوون كان لا يَثقُ في ابنه خليل، ولا يميلُ إليه، ولا يرضى عن تصرفاته وسلوكِه الشخصي، واعتقد أنه غيرُ كُفءٍ لتولّي عَرشِ السَّلطنة؛ لذلك رَفَضَ أن يُوقِّعَ التَّقليدَ له بولايةِ العَهدِ، وتُوفِّي على رفضِه، إنما لم يكن ذلك مانِعًا من أن يَؤولَ المُلْكُ إليه …». ويَذكُرُ أن الأشرف خليل طلبَ تقليدَه، فأحضرَ إليه دون توقيعِ والدِه، فقال: «إن السُّلطانَ امتنعَ أن يُعطيني فأعطاني الله».. وهكذا، تولى الأشرف خليل الحُكمَ، فقد كان الوَضعُ السياسيّ يتطلبُ سرعةَ قيامِ سلطانٍ جديدٍ ليستكملَ حملةَ السلطانِ قلاوون للثَّأرِ من الفِرنجِ واستعادةِ عكا.
قام الأشْرَفُ خليل بإبعادِ أتباعِ أبيه من الأمراءِ، فيذكرُ ابن تغري بردي في كتابِه «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة»: «ولمَّا رَسَخَتْ قَدَمُ الملكِ الأشرفِ هذا في المُلكِ، أخذَ وأعطَى وأمرَ ونَهَى، وفَرَّقَ الأموالَ وقَبَضَ على جماعةٍ من حَواشي والده، وصَادرَهم …». وقد أدَّى ذلك إلى بَدءِ الدسائسِ والمؤامراتِ من الأمراءِ ضد حُكمِ السلطانِ الأشرف خليل. أمَّا عن الأمنِ في البلاد، فقد حَرِصَ السلطانُ على اسْتِتبَابِ الأمن في أنحاء البلاد، وعندما عَلِمَ بما يقوم به العُربَانُ من فسادٍ في البلاد، اهتَمَّ بإخمادِ فِتنتِهم.
وفي عَلَاقاتِه الخارجيةِ، اهتَمَّ السُّلطانُ الأشرَفُ خليل بتحقيقِ هَدفِ والدِه السلطان قلاوون بمواجهةِ الفرنج وإخراجِهم من بلاد الشام. ومع بدءِ عام 690هـ (1291م) خرجَ الملكُ الأشرفُ بعساكرِه صوبَعكا، وفي الوقتِ نفسِه طلبَ من ولاةِ الشام أن يَمُدّوه بوسائل النقلِ وإرسالِ عساكرِهم إلى عَكَّا لمساندتِه. وعند الوصولِ إلى عكا، قامَ بحصارِ المدينةِ وضَرْبِها بالمنجنيق، حتى ضَعُفَتْ عزيمةِ الفِرنج وفَرُّوا من البلاد، وتمكَّن الملكُ الأشرف من الاستيلاءِ على مدينة عكا.
ويذكر محمد سهيل أن السُّلطانَ أمرَ بتدميرِ عكَّا بعد سُقوطِها في قَبضةِ يده، وفقَ خُطَّةٍ قام بوضعها، حتى لا يتمكَّنَ الفرنج من المدينة كمركز للاعتداءات والهجمات على بلادِ الشام.
أرسلَ السلطان الأشرف خليل جيشًا، اتَّجَه إلى مدينةِ صُور التي تُعَدُّ أحد أمنع البلاد، لكن ما إنْ اقتَرَبَ الجيشُ المملوكيّ منها حتى تخاذلَ حاكمُها من الفرنج في الدفاع عن المدينةِ وهَرِبَ إلى قبرص، فتمكَّنَالمماليك من المدينة بعد أن قام أهلُها بتسليمِها دونَ قِتالٍ أو مُنازعةٍ.
ويذكر ابن تغري بردي: «وعندما تَسَلَّمَها، جَهَّزَ إليها مَن أخربها وهدمَ أسوارَها وأَبنِيتَها، ونقَلَ من رُخَامِها وأنقَاضِها شيئًا كثيرًا». جاءت مدينةُ صيدا بعد ذلك؛ حيثُ تمكَّنَ منها المماليك ودَمّرُوا قلعتَها.. عقب ذلك، قامَ الجيشُ المملوكيّ بالاستيلاءِ على مدينةِ بيروت ثم مدينةِ حيفا، ومن بَعدِها أنطرطوس وعثليث، ولم يتبقَّ للفرنج سوى الحِصنِ الواقعِ في جزيرة أرواد مقابل أنطرطوس.
أما عن عَلَاقةِ السُّلطانِ الأشرف مع مغولِ فارس، فكانَت تخلو من أي صِدَاماتٍ أو حُروبٍ تُذْكَر حتى عام 691هـ (1292م) عندما أَعَدَّ جيشًا لمواجهتهم، لكنه قام بعَدَدٍ من الغزوات التي لم تكن بذاتِ أهميةٍ ثم عادَ إلى القاهرة.
و.. والحديث عن «مِصر الحُلوة» لا ينتهي!
الأُسقف العام
رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ

No Result
View All Result