No Result
View All Result
تحدثنا في المقالة السابقة عن العدالة الاجتماعية وتحقيق الكرامة الإنسانية لكل مواطن يحيا على أرض هٰذا البلد، ثم تحدثنا عن أن العدالة في المجتمع تحقق الإنصاف لكل إنسان، وأن مجتمعًا يغشاه الظلم لن يصل إلا إلى التفكك والانهيار.
يقول ڤولتير ـ فيلسوف الثورة الفرنسية: [إن أعظم عمل إنسانيّ هو رد العدالة إلى من فقدها.]؛ فشعور الإنسان بالظلم هو إحساس مرير يخرِّب في ثناياه، وإذا استمر قد يَكسِر إنسانيته كاملًا؛ مما يُخالف ما تنادي به كل الأديان والقوانين الدُّولية، وما يسعى نحوه المجتمع الدُّولي من احترام حقوق الإنسان. فالأساس الحقيقيّ لبناء بلادنا ومستقبلنا هو أن نضع العدل نُصْب أعيننا لا بكلمات تقال ثم تذهب أدراج الريح، بل بأعمال وأفعال حقيقية واضحة تظلل الجميع.
والعدل هو قوة الأمة؛ فيقول تشرشل: [أجمعَ تاريخ البشرية على حقيقة أن الأمم لا تكون عادلة دائمًا عندما تكون قوية. وعندما تتمنى تلك الأمم العدل، فهٰذا يعني أنها لم تعُد قوية]. وقال الإسكندر الأكبر: [لا ينبغي لمن تمسَّك بالعدل أن يخاف أحدًا.]. وهٰكذا تكون قوة الأمم والملوك في عدلهم.
ومن نماذج العدل التي اشتُهرت في التاريخ، الخليفة عمر بن الخطاب؛ الذي صار عدله مضرِب الأمثال، وقد أعجبني ما كتبه الأستاذ الكاتب الإعلامي إبراهيم عيسى في مقال له عن عدل عمر بن الخطاب مع المسيحيين ـ وهو يوضح بعض المفاهيم ـ مثل أن تعليق الصلبان غير ممنوع في الكنائس أو بيوت المسيحيين، وإنما المنع هو في أماكن المسلمين. وأيضًا دق أجراس الكنائس متاح في جميع الأوقات إلا ساعة الأذان فقط. بل إن تربية الخنازير ـ التي تُعد حيوانات نجسة عند المسلم ـ مشروعة للمسيحيين فى الدولة المسلمة، وذٰلك فى البيوت أو فى مزارع خاصة، أما الممنوع فهو وجود الخِنزير فى أفنية المسلمين.
وقد تعرض لمعاهدة بيت المقدس التي قيل فيها مثلا: [هٰذا ما أعطى عبدُ الله عمرُ أميرُ المؤمنين أهلَ “إيلياء” من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصُلبانهم، وسَقِيمها وبَريئها وسائر مِلتها أنه لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حَيِّزها ولا من صُلبانهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرَهون على دينهم ولا يضار أحد منهم].
إن الباحث في التاريخ يجد أن العدل والتفهم والتعايش الذي عاشته مِصر قبلًا في ظل الحكام والملوك العادلين كان يعكس فترات قوة في تاريخ البلاد، فعندما يتدفق العدل من الحاكم إلى شعبه تأمن البلاد؛ إذ يشعر كل إنسان أنه في مأمن من الخطر، وينعكس هٰذا في ازدياد البناء والتقدم والتحضر للبلاد، إذ يشعر الشعب أنه آمن فيُولي اهتمامه بالبناء والتشييد والتعمير. وهذا ما سجله التاريخ، فكلما تكثر حروب البلاد ينشغل أهلها عنها، ولا فرق هنا بين عدو خارجيّ وآخر داخليّ، بل الأصعب هو أن يكون العدو من الداخل؛ يحاول تفريق شمل البلاد لتظل تحت وطأة التعثر والتهاوي.
تقول إحدى القصص إنه في أرض بعيدة، كان يعيش العدل والسلام والمحبة فيها جنبا إلى جنب، فزُرع بها أجمل الثمار، حتى جذبت هٰذه الأرض أناسًا طيبين أرادوا الحياة في ظل سمائها. وذات يوم، قام العدل وألزمهم أن يَنصفوا فيما بينهم وأن يُعطوا كل ذي حق حقه؛ طالبًا منهم أن يكون هو القاضي بينهم في النزاعات. أمّا السلام فطلب منهم أن يرافقهم وألا يُهملوه. وصمتت المحبة، فطلبوا إليها الحديث، فقالت: أنا لا أوجَد بالقوانين، بل مكاني في قلوبكم، ومتى فقدتموني فقدتم شيئًا غاليًا داخلكم. وهٰكذا التزم الجميع بقوانين العدل والسلام مستظلين بالمحبة فعاشوا في سعادة و … وللحديث بقية …
الأسقف العام ورئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ
No Result
View All Result