No Result
View All Result
«الموت.. القيامة» كلمتان تسبقهما حياة وتعقبهما حياة. إنها رحلةُ الإنسانِ منذ مولده وإلى الأبد.
بين إدراكِ معنى الموت وحقيقةِ القيامة اختلفَ الفلاسفةُ والمفكرون؛ فمِنهم مَن يرى أن الموتَ هو تحرُّرٌ من قيودِ الجسد، ومِنهم مَن يراه النهاية، إلا أن الجميعَ أقرَّ بحقيقة الموت التي لا مناصَ منها.. أما القيامة فقد تباينت فيها الآراء؛ فهناك مَن أقرَّ بحقيقتها واعتبرها ضروريةً لتحقيق كمال العدل الذي لا يتحقق في الدنيا، وهناك مَن أنكرَ حقيقة القيامة والدينونة والحياة الخالدة، كامتدادٍ لإنكارهم وجودَ الله، في محاولة للتهرُّب من مسؤوليتهم عن حياتهم واختياراتهم.
واليوم ونحن نحتفل بعيد القيامة، نتذكّر تعاليم «السيد المسيح» عن القيامة عندما قال: «لَا تَتَعَجَّبُوا مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ». (يو 5: 28، 29)، كما تحدّث أيضًا عن القيامة قائلًا: «وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ، فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ. ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ» (مت 25: 31- 33).. «ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ» (مت 25: 41).. وأيضًا: «فَيَمْضِي هَؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ» (مت 25: 46)..وعندما تقدَّمَ إليه الصدُّوقِيُّونَ الذين لا يؤمنون بقيامة الأموات، أجابهم: «وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ، أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ الْقَائِلِ:أَنَا إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ؟ لَيْسَ اللهُ إِلَهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلَهُ أَحْيَاءٍ» (مت 22: 31-32)، كما عَلَّم أن عملَ البِّر والإحسان، وبشكل خاص مع المحتاجين وغير القادرين، له مكافأة في القيامة: «بَلْ إِذَا صَنَعْتَ ضِيَافَةً فَادْعُ: الْمَسَاكِينَ، الْجُدْعَ، الْعُرْجَ، الْعُمْيَ، فَيَكُونَ لَكَ الطُّوبَى إِذْ لَيْسَ لَهُمْ حَتَّى يُكَافُوكَ، لأَنَّكَ تُكَافَى فِي قِيَامَةِ الأَبْرَارِ» (لو 14: 13 – 14).
أما عن قيامة «السيد المسيح»، فقد تنبأ عنها داود النبي حين قال: «لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا» (مز 16: 10)، وقد ذكر بطرس الرسول تلك النبوءةَ في تعليمِه للشعبِ حين قال لهم إنَّ داود النبي مات ودُفن، وبذلك تكون كلماتُه نبوءةً عن قيامة السيد المسيح: «فَإِذْ كَانَ نَبِيًّا (داود)، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ.سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلَا رَأَى جَسَدُهُ فَسَادًا» (أع 2: 30 – 32)، كما تنبأ هوشع النبي عن قيامة «السيد المسيح» من بين الأموات، قائلًا: «مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ أَفْدِيهِمْ. مِنَ الْمَوْتِ أُخَلِّصُهُمْ. أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ تَخْتَفِي النَّدَامَةُ عَنْ عَيْنَيَّ» (هو 13: 14)، وأيضًا: «يُحْيِينَا بَعْدَ يَوْمَيْنِ. فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يُقِيمُنَا فَنَحْيَا أَمَامَهُ» (هو 6: 2).
وقد أعلن «السيد المسيح» لتلاميذه أمْرَ صَلبِه وقِيامته: «هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ. فَيَهْزَأُونَ بِهِ وَيَجْلِدُونَهُ وَيَتْفُلُونَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ» (مر 10: 33، 34).
وقد شهد الآباءُ الرُّسل أيضًا بقيامة «السيد المسيح»؛ حيث كانت القِيامةُ هي محورُ كَرازتهم، حتى إنّهم تعرَّضوا للسجن والإهانات والعذابات من أجل ذلك؛ فبينما كان بطرس ويوحنا يُعلِّمان في الهيكل، أقبَلَ رؤساءُ الكهنة وقائدُ جُندِ الهيكلِ وَالصَّدُّوقِيُّونَ عليهما وهم غاضبون، فقد كانوا: «مُتَضَجِّرِينَ مِنْ تَعْلِيمِهِمَا الشَّعْبَ، وَنِدَائِهِمَا فِي يَسُوعَ بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ.فَأَلْقَوْا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ وَوَضَعُوهُمَا فِي حَبْسٍ إِلَى الْغَدِ» (أع 4: 2-3)..«فَدَعَوْهُمَا وَأَوْصَوْهُمَا أَنْ لَا يَنْطِقَا الْبَتَّةَ، وَلَا يُعَلِّمَا بِاسْمِ يَسُوعَ. فَأَجَابَهُمْ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا وَقَالاَ: «إِنْ كَانَ حَقًّا أَمَامَ اللهِ أَنْ نَسْمَعَ لَكُمْ أَكْثَرَ مِنَ اللهِ، فَاحْكُمُوا. لأَنَّنَا نَحْنُ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ لَا نَتَكَلَّمَ بِمَا رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا» (أع 4: 18-20). كما تحدث بولس الرسول في رسائله عن قيامة السيد المسيح كإعلانٍ لحقيقةِ القيامة: «وَلكِنْ إِنْ كَانَ الْمَسِيحُ يُكْرَزُ بِهِ أَنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، فَكَيْفَ يَقُولُ قَوْمٌ بَيْنَكُمْ إِنْ لَيْسَ قِيَامَةُ أَمْوَاتٍ؟» (1 كو 15: 12)، وأيضًا: «لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ، لَعَلِّي أَبْلُغُ إِلَى قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ» (في 3: 10، 11) وفي محاجاته أعلنَ: «وَلِي رَجَاءٌ بِاللهِ فِي مَا هُمْ أَيْضًا يَنْتَظِرُونَهُ: أَنَّهُ سَوْفَ تَكُونُ قِيَامَةٌ لِلأَمْوَاتِ، الأَبْرَارِ وَالأَثَمَةِ» (أع 24: 15).
إنَّ عيدَ القيامة هو بمثابة تَذكِرةٍ لنا أنَّ الحياةَ لن تنتهي، وأن الموتَ هو ذلك الجسرُ المُمتدُ من العالم إلى الأبدية، فماذا أعددنا للحياةِ الأبدية؟!
كل عام وجميعكم بخير. و… وما زال الحديث في «مصر الحلوة» لا ينتهي!
الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ

No Result
View All Result