مصر الحلوة 105 – «تعزيز السلم» – 2/5/2015

مصر الحلوة 105 – «تعزيز السلم» – 2/5/2015

   تلقيت دعوة كريمة من سمو الشيخ «عبدالله بن زايد آل نهيان»، وزير الخارجية، وراعى مؤتمر «تعزيز السلم فى المجتمعات المسلمة»، وفضيلة الشيخ العالم العلامة «عبدالله بن بيه»، رئيس المنتدى، لحضور المؤتمر فى أبى ظبى فى الإمارات العربية المتحدة مع شعب محب، ورئيس دولة مخلص هو صاحب السمو الشيخ «خليفة بن زايد آل نهيان».

   حضر هذا المؤتمر ما يربو على الثلاث مائة من العلماء، والشيوخ، والحكماء، والمفكرين، والمثقفين من جميع أرجاء المعمورة، وعلى رأسهم فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور «أحمد الطيب»، شيخ الجامع الأزهر. ونقدم الشكر والتقدير إلى الدولة حكومة راشدة وشعباً نبيلاً.

إن ما استرعى انتباهى كلمة فضيلته فى افتتاحية هذا المؤتمر، وأوجز ملخصاً لها:
   لقد تحدث فضيلته عن: «إعادة الكَشف عن ثقافة السِّلم وبَيان محوريته فى الإسلام… لإِزالة مَا رانَ على فِقه السَّلام من ظُلمَات بعضها فوق بعض، بسبب القراءة المغلوطة والتَّفسيرات الملتوية، التى أدَّت إلى أنْ تتحوَّل الأسلحة فى أيدى جماعة من المسلمين إلى صدور مجتمعاتهم وأهليهم بعيداً عن صُدور أعدائهم ومقاتليهم». وقد أكد: «نعم، نَحْنُ الآن فى أشدّ الحاجَة إلى مراجعة أمينة وقراءة نقدية لهذه المفاهيم فى تراثنا الإسلامى، وبيانها للنَّاشِئة مِن التَّلاميذ ولِطُلَّاب الجَامِعَات فى مُقرَّرات دِراسِيَّة جادَّة تسهم فى تحصين شَباب العَرَب والمسلمين من الوقوع فى براثن هذه الجماعات المُسَلَّحة، ولا مفرّ لمنتدانا هذا من دعوة المُختَصِّين واجتماعهم للاتفاق على رؤية استراتيجية واضِحة المَعَالِم بَيِّنة الأهداف والغَايات لانتِشال شبابنا من حالة الاضطراب والتَّذَبذُب العَقدى والفكرى فى إدراك أُصُول الدِّين وأُمَّهَات قضايا العقيدة والأخلاق، إلى حالة الهدوء النَّفسـى والاستقرار الإيمانى والفَهمِ الصَّحِيح».

   وقال أيضاً فضيلته: «(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) {الأنبياء: 107}، والرَّحمَة يلزمها السَّلام، بل هى مع السَّلام وجهان لعُملة واحدة.. ويكفى أنَّ القُرآن يسوى بين قتل نفس واحدة – بغير حق أو فسادٍ فى الأرض- وقتل سَائِر النَّاس، وبين إحياء هذه النَّفس وإحياء جميع البشـر.. (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً){المائدة: 32}. بل إنَّ الإسلام ليُحرِّم مجرد ترويع الإنسان وتخويفه، حتى لو كان التَّرويع على سَبيل المُداعبة والمزاح، يقول النبى: (منْ أشارَ إلى أخيه بحديدةٍ، فإنَّ الملائكةَ تلعنُهُ حتَّى يَدَعهُ وإن كان أخاه لأبيهِ وأُمِّهِ)، وقال: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِماً)، ولقد بلغت رحمته ورفقُه بالحيوان أنَّه رأى مرة جملاً تتساقط الدموع من عينيه، وتبدو عليه أمارات التَّعَب والإرهاق، فاستدعى صاحب الجمل وكان غُلاماً من الأنصار وقال له: (أفلا تتقى اللهَ فى هذه البهيمة التى مَلَّكَكَ اللهُ إياها؟ فإنه شكى إلىَّ أنك تُجيعه وتُدئبه)، ولا ينبغى أن نستنكر هذا التَّواصل الحَى بين الأنبياء وبين الكائنات الأخرى من حيوان ونبات وجماد… (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّــجَرُ وَالــدَّوَابُّ وَكَثِيـــرٌ مِّنَ النَّاسِ) {الحج: 18}، (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) {سبأ: 10}، ومعنى أَوِّبِى معه: رجِّعِى معه الذِّكر والتسبيح».

   وأضاف فضيلته: «وبِهذا المَنطق نفهَم قول النَّبى فيما رواه الإمام مُسلم: (إِنِّى لَأَعْرِفُ حَجَراً بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّى لَأَعْرِفُهُ الْآنَ)، وانطِلاقاً مِن هَذِه النُّصُوص القاطِعة يَتبيَّن لنا أنَّ علاقة الإنسان المسلم بغيره أيّاً كان هذا الغير إنساناً أو حيواناً أو نباتاً أو جماداً هى فى فلسفة الإسلام علاقة زمالة وصُحبة وارتفاق، تقوم أوَّل ما تقوم على مبدأ السَّلام والتَّعارُف، وأنَّ الإسلام من هذا لمُنطلق تحديداً لا يُبيح القَتل إلَّا فى حالة واحدة وحيدة هى ردّ الاعتِداء… ومنع من هَدم بنيانهم، وحرق أشجارهم وقتل نحلهم وحيواناتهم إلَّا لضـرورة الأكل… حتَّى قال الأديب المشهور (مصطفى الرافعى): إنَّ لسيوف المُسْلِمين أخلَاقاً».

وعن السلام قال: «إنَّ مُهِمَّة إحيَاء فِقه السَّلام فى دينِ الإسلام: أصُولاً وتُراثاً، أمر لَمْ يَعُد ترفاً أو خياراً مُمكِناً، بل هو أشبه بطوق النجاة الآن. وأرى أن يتبنَّى المُنتدَى بالتَّوازى عمَلاً آخر هو جمع الكُتب والمجَلَّات التَّى تصدرها الجماعات الإرهابية المُسَلَّحة، وبخاصَّة عبر وسائِل النشـر الإلكترونيَّة، وتظهر بأكثر من لُغة غير اللُّغة العَرَبيَّة، والَّتى تحمل خَطراً داهِماً على الشَّباب، هذه الكتب والمقالات لابُدَّ من جمعها وتَصنِيفها ونقضها جُملةً وتفصيلاً، وثَمَّة عمل ثالث لابُدَّ مِنه لِمُحَاصَرة القواعِد العقديَّة الَّتى تنطلق منها جماعَات القَتل المُسَلَّحة، وبِخَاصَّة: قاعِدة التَّكفير، أو مَبدأ التَّكفير الَّذى أصَّلوه فى أدبياتهم وضَلَّلوا به قِطَاعاً عَريضاً مِن الشَّباب المُسلِم فى الشَّـرقِ والغَرب، ومِن المُحزِن… أنْ تصدر فى هَذِه الأيَّام الصعبة الَّتى نعيشها الآن كُتب ومَنشُورات بأقلام طائفة مِن المُنتَسبين للعِلم، يتناولون فيها مسألة التَّكفير، ويفرِّقون فيها بين التَّكفير الجَائِز وهو تكفير المُطلق وتكفير المُعيَّن الجَائِز بشـروط، ومثل هَذِه الأقوال لَا تُناسِب ظروف الأُمَّة الآن بِحال من الأحوال، ولَا تدعم قَضيَّة السَّلام الَّذى نسعى إليه جميعاً، ونَحْنُ لا نُنَاقِش هُنَا مَسألة تكفير المُطلق وتكفير المعيَّن، وكيف أنَّ هذا التَّقسيم لَمْ يَرِد فى كِتاب ولا سُنَّة، وإنَّما هو مِن أقوال المُتأخِّرين، الَّتى تخضع لإعمال النظر والأخذِ والرَّد. ولكنا نُنبِّه فقط إلى أنَّ بعض الفتَاوى أو الأحكَام الَّتى يَصدرها هذا الفَقيه أو ذَاك فى العُصُور الخَوالى إنَّما صَدَرت لِمُواجَهة ظروف استِثنائيَّة لا يُمْكِن القِياس عليها الآن، وقَضيَّة التَّكفير أصدَق مِثال على دعوانا هَذِه، حيثُ نرى جماعات الإرهاب المُسَلَّح اليَوم تستند إلى أحكام يَنقلونها عن ابن تَيمية وابن كَثير رَحِمَهما الله، تَنُص على أنَّ النُطق بالشَّهادتين لا يَكفى للحُكْم بإسلام الشَّخص، بَل لابُدَّ من اقْتِران العَمَل بهما والخُضُوع الكَامِل لأحكَام الإسلام، والالتِزام (بالدِّفاع عن الجَماعة والدَّولَة الإسلاميَّة والشَّـريعة)، فإذا خَرج المُسْلِم، أو المُسْلِمُون عن هَذِه الشُّـروط فَهُم كُفَّار يَجب قِتالهم.. وجَليَّة القَول فى هذا الفَهم المَغلُوط أنَّ ابن تيمية رَحِمَه الله إنَّما قال ذلك الكلام فى القرن السَّابع والقرن الثَّامن الهجريين، وكان مشغولاً بمُواجهة المعَارك العَنِيفَة الدَّامية بين المسلمين وغارات التَّتار الذين أسقطوا بغداد واستولوا على الشَّام ووصَلوا إلى مصـر التى هزمتهم فى عين جالوت.. وكان التَّتار فى ذلكم الوقت يُظهرون إسلامهم ويُبطنون كُفرهم، وكان حُكَّام الدُّويلات المُسْلِمة لا يجدون حرجاً من الاستعانة بهم فى السَّيطرة على ما تبقَّى فى أيديهم من البِلاد، وفى هذه الظروف تحديداً قال ابن تيمية مَا قال من أنه لابُدَّ مِن اقِتران العَمَل بالشَّهادتين حتَّى يَمتاز المسلم عن غيره من المُتظَاهرين بالإسلام الذين يَكيدون للمسلمين ويقتلونهم.. والسُّؤال هو: كَيف يَصِحّ قياس مُجتمعاتنا الإسلاميَّة الآن على مجتمعات اختلط فيها المُسْلِم بالكافر والمُنافق، والعَرَب بالتَّتار والمَغُول؟! وهل يمكن أن يسوَّى فى الحُكم الواحد بين المجتمعات المُسْلِمة فى القَرن الواحد والعشـرين وبينها فى القرن السَّابع والثَّامن الهجريين!! وكيف أُلغيت كُل الفُروق والسِّياقات والمُلابسَاتِ الفقهيَّة والسِّياسيَّة والظروفِ القاسية الَّتى أثمرت هذا النَّوع من الفَتَاوى المؤقَّتة لِتطُل برأسها من جديد وتُبرِّر لجماعات التكفير إعلان الجِهاد على مجتمعات تُؤمن بالله ورسوله وتُقيم الصَّلاة وتُؤتى الزَّكاة وتَصُومُ رمضان وتحج إلى بيت الله الحَرام، ثُمَّ أين ما اتَّفق عليه فقهاء الأمة من أنَّ الفَتوى تَتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان والظروف والأحوال!!

   إنَّ هَذِه الفَوضى الدَّمَويِّة – الَّتى تتَّخِذ من مَقُولة التَّكفير حُجَّةً وسَنداً- تحتاج إلى استِنفار علمائى يَتصَدَّى لهذه الفِتنة فى كُل عَواصِم العَالَم العَرَبى، بَل فى كُل مَدينة فيه، ولا يَتحقَّق ذَلِك إلَّا بالنزول إلى حقول التَّعليم وبخاصَّة: التَّعليم قَبل الجامعى.. ولَعَلَ اجتماعاً يلتقى فيه المسؤولون عن التَّعليم فى العالم العربى وأيضاً المسؤولون عن المدارس والمعَاهِد الدِّينية لِوضع مَنهج عِلمى مُشترك يستند إلى رأى الجمهور فى النَّهى عن التَّكفير نهياً قاطعاً لا لفَّ فيه ولا دوران، ويصاغ فى مُقرَّر دراسى جاد يفند أغاليط التَّكفيريين تفنيداً فكريّاً وتربويّاً على مستوى الوطن العَرَبى – أقول لَعَلَ اجتماعاً كهذا أصبَح الآن ضَرورة من الضَّرورات القُصوى، ذلكم أن التركيز على التَّعليم أو الخِطاب التَّعليمى أهَم وأجدى من التَّركيز على خِطَاب الجُمهور، لأن القَاعِدة العَريضة من الجَماهير لاتزال مُحصَّنة ضِدَّ ثقافة التَّكفير، بِخلاف الجيل الجَديد الَّذى يعول فى اكتساب المعرفة على وسائل الاتصال الإلكترونية، وهى مُخترقة اختراقاً كاملاً من قِبل هذه الجماعات، وتستهدف أوَّل ما تستهدف شباب الطلاب من المرحلة الثانويَّة والجامعيَّة.

   واختتم فضيلته ببيان قال فيه: «إنَّ الحملات التى تشنها وسائل الإعلام على الخطاب الدِّينى بحسبانه المسؤول الأوَّل والأخير عن ظهور (داعش) وأخواتها وبنيها وحفدتها هى حملات تتصف بالسطحية فى تبسيط الأمور، وهى إذ تختزل أسباب ظهور هذه الجماعات فى سبب واحد هو: الخطاب الدِّينى فإنها تتغافل أو تتعامى عن عوامِل أخرى دفينة دفعَت بهؤلاء الشباب إلى انتهاج العنف المُسَلَّح كحل أخير يائس لتغيير مجتمعاتهم!

   إنَّ الإخفاقات المتتالية وثقافة التهميش التى عاشها هذا الجيل على أكثر من مستوى أسهمت إسهاماً واضحاً فى شعور الكثيرين بالإحباط واليأس، وبخاصة الإخفاقات السِّياسيَّة والاقتصاديَّة والنَّفسيَّة، والخِطاب الدِّينى وحده لَيس هو الحَل، بل هو جزء من حل المشكلة، فهناك خطابات عِدَّة: سِياسيَّة، واقتصاديَّة، وتعليميَّة، وثقافيَّة، وإعلاميَّة، وفنيَّة كانت كلها معاول هَدم وتحطيم لآمال النَّاس وأحلامهم وتحتاج الآن إلى إصلاح لا يقل شأناً ولا خطراً عن إصلاح الخِطاب الدِّينى».

   وهنا يتوقف الزمن لتعود إلىَّ ذكرى تحمل فى طياتها أصداء كلمة ألقاها المتنيح قداسة «البابا شنودة الثالث» قبل ثمانى سنوات فى أبى ظبى عن السلام، قال فيها:
السلام هو أنشودة جميلة تتردد أنغامها فى قلوب الناس وفى أفكارهم، ويشتاقون إليها. ومن دون السلام لا يسود مجتمع ولا يهدأ فرد فيه، فهو مُنْيَة الدول والشعوب كما الأفراد أيضاً. وبالسلام يعيش الناس فى هدوء، ويُنتجون. وبغير السلام يصبح العالم شبه غابة، القوى فيها يعتدى على مَن هو أضعف منه.
   والسلام فى الإسلام هو اسم من أسماء الله. ففى سورة الحشر: {اللهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ}. وفى المسيحية نقول عن الله: إنه إله السلام، وملك السلام، ومصدر السلام للجميع.

والسلام أنواع ثلاثة:
سلام للإنسان مع الله، أساسه حفظ وصايا الله.
سلام مع الناس فى حياة الصلح الدائم والمحبة والتعاون.
سلام دائم لا يستغنى عنه أى فرد.
وبدون السلام القلبى يقع الإنسان فى الخوف والاضطراب والتردد.

   وهكذا نرى فى المسيحية يُقال: «طُوبَى لِصَانِعِى السَّلاَمِ..»، ويُقال: «وَثَمَرُ الْبِرِّ يُزْرَعُ فِى السَّلاَمِ..».
أيضاً نجد السلام دعامة قوية فى التعليم الإسلامى فى كثير من السُّوَر، ففى سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً}، وفى سورة الحُجُرات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}. وعبارة: «لِتَعارَفوا» لها هدف قوى وعميق. يريد الله من البشر أن يتعارفوا جميعاً وأن يعيشوا على أساس من الود ومن المحبة.

   ونجد فى التاريخ أن الخليفة الثانى «عمر بن الخطاب»، حينما استلم بيت المقدس، اعتذر أو رفض الصلاة فى الكنيسة وقال لأسقف بيت المقدس: «لئلا يأتى بعدى المسلمون ويأخذوها ويقولون: ههنا سجد عمر». فأعطى صورة جميلة عن التسامح، وسجد خارج كنيسة القيامة حيث بُنِىَ جامع عمر فى ما بعد.

   ونجد هذا السلام والتآخى أيضاً فى كثير من العهود والمواثيق التى تحدَّث التاريخ الإسلامى عنها، مثل الميثاق الذى أُعطِىَ لنصارى نَجْران، والميثاق الذى أُعطِىَ لقبيلة تَغْلِب، ووصية «أبى بكر الصديق» لأسامة بن زيد، ووصية «عمر بن الخطاب» قبل موته، وميثاق «خالد بن الوليد» لأهل دمشق، وميثاق «عَمرو بن العاص» لأقباط مصر وعلاقته أيضاً بالبابا القبطى «الأنبا بنيامين البابا الثامن والثلاثين»؛ حيث سلَّمه كل الكنائس التى كانت دولة الروم قد أخذتها من الأقباط، وأعاده إلى كرسيه وأعطاه الأمان.

   وفى كل تلك العهود والمواثيق التى تحدَّث عنها التاريخ الإسلامى والتى أُعطيت للمسيحيين ــــــ أمَّنوهم على كنائسهم وصوامعهم ورهبانيتهم وأملاكهم وأرواحهم أيضاً.

   ونجد السلام فى المسيحية أيضاً يشمل الكل فيقول الإنجيل: «وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هكَذَا؟». بل يقول أكثر من هذا: «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ..». فكم بالحرى تكون المعاملة مع الإخوة لنا فى أوطاننا؟

   المسيحية لا تنظر إلى التآخى فقط، وإنما إلى المحبة فتقول للإنسان: إن كل شخص لا يحب أخاه الذى يراه فكيف يحب الله الذى لا يراه؟ بل تقول إن «اللهَ مَحَبَّةٌ»، وأيضاً تقول: «لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ». ويقول «القديس يوحنا الذهبى الفم»: «الذى لا تستطيع أن تكسب صداقته لا تتخذْه لك عدواً»، احتفاظاً بحياة السلام والتآخى بين الناس من جهة الإخوة.

   نحن جميعاً إخوة، أولاد لآدم وحواء. الله خلقنا جميعاً من ذكر وأنثى، من مصدر واحد، لكى يكون الجميع إخوة فى الإنسانية، وفى الجنس. ونحن أيضاً إخوة فى اللغة، وإخوة فى الوطن العربى الذى ننتمى إليه، وإخوة فى الإنسانية بصفة عامة. وما أصدق ذلك الحكيم الذى قال: «رُبَّ أخ لك لم تلِدْه أمك».

   أمّا عن التسامح، فله أسس نفسية وروحية. فدائماً التسامح يأتى عن سعة الصدر ورُحبة القلب وطول البال. وهو أيضاً يأتى عن طريق المحبة التى تربط الناس بعضهم بالبعض الآخر. ويأتى التسامح من تقدير كل شخص لطباع الآخرين ولظروفهم ولاحتياجاتهم أيضاً. والإنسان الذى يحيا فى إخاء مع الناس، يجعل قلبه وعقله يحكمانه باستمرار، وليس أعصابه. الإنسان الذى يثور ويَضِجّ قد توقف عقله وتسلَّمت الأعصاب قيادته، وبطريقة غير سليمة. لكن بهدوء النفْس وبهدوء الأعصاب، يستطيع الإنسان أن يعيش فى تسامح وفى مودة مع الآخرين.

   والمسيحية تكلَّمت كثيراً عن الوداعة والهدوء بحيث يَقبل الإنسان طباع الناس فى هدوء. نحن نَقبل الطبيعة فى هدوء، نَقبل الفصل المطير والفصل العاصف، والفصلين الحار والبارد دون أن نتذمَّر على الطبيعة. إنما نُشكل أنفسنا حسبما نتأقلم مع حالة الطبيعة. فإن كنا نفعل هذا مع الطبيعة الصماء، فماذا نفعل إذاً مع إخوتنا فى البشرية؟
   والإنسان الذى يعيش فى التسامح، إنما يدرك أيضاً أن الله أعطى الناس حرية لكى يتصرَّفوا وأعطاهم وصايا دون أن يُرغمهم إرغاماً على طاعة هذه الوصايا. ودائماً الشخص الذى يحتمل غيره هو الشخص الأقوى. أمّا الذى يثور ويَضِجّ فهو الضعيف، لأنه لم يستطِع أن يضبط نفسه. أمّا الشخص الذى يضبط أعصابه ويحتمل فهو الأقوى – الأقوى من الداخل – والذى لا يستطيع أن يحتمل هو محتاج أن يراجع موازين القوة فى حياته كيف تكون.

إن كانت هذه هى المعاملة بصفة عامة، فإن الإسلام يدعو بصفة خاصة إلى التعامل الطيب جداً مع أهل الكتاب. ففى سورة آل عمران: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}، وفى سورة الحديد قيل عن المسيح بن مريم {وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً}، وفى سورة المائدة {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ}.

   ونجد قواعد الإسلام قد جعلت أهمية كبيرة لمعاملة أهل الذمة. ففى الحديث: {مَن أَذَى ذِمِّياً فَلَيسَ مِنَّا. العَهدُ لهُم وَلأبنائِهم عهدٌ أبدىٌّ لا يُنقضُ يَتَوَلاَّه ولىُّ الأَمرِ وَيَرْعاه}، بل حديث آخر يقول: {استَوصُوا بالقِبطِ خيراً فإنَّ لنا فيهِم نَسَباً ورَحِماً}.

   أمّا من جهة وصية «عمر بن الخطاب قبل موته»، فقد أوصى بحفظ العهود والمواثيق لغير المسلمين وعدم تكليفهم بما لا يطيقون، وهذه سماحة كبيرة من هذا الخليفة الذى سجَّل التاريخ له صفات من نور.
لكن لعلَّ البعض يفقد تسامحه أو سلامه مع الآخرين، بسبب شىء من الحماس الدينى بينما فى سورة الغاشية يقول عن هذا الأمر: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر}، وفى سورة المائدة يقول: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ}، الإنسان يُبلِغ رسالة الحق للآخرين. وفى سورة يونس: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ}، وفى سورة البقرة: {لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ}. كل هذا يدل على روح السماحة التى علَّمها الإسلام للناس فى معاملة الآخرين، وبخاصة مَن يختلفون معهم فى المذهب أو الدين. وفى سورة العنكبوت: {وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِى أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ}. وفى سورة النحل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ}، وسورة المُمتَحِنة: {لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.

   ولعلَّ من الأشياء الجميلة التى قالها الإسلام: {لِنْتَ لَهُم. وَلَو كُنْتَ فظاً غَليظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.
كل هذا يعطينا فكرة عن التسامح والسلام، كما علَّم بذلك الإسلام، وكما علَّمت به المسيحية، لكى نعيش فى هذا الجو، فى جو من المحبة والتآخى والمودة، والذى يعيش فى السلام وفى التآخى إنما يعطى صورة مشرقة عن الدين تُحَبِّب الناس فيه.

   وفى النهاية نصلى من أجل السلام فى العالم بأسره، وفى الوطن العربى، و… وعن مصر الحلوة الحديث لا ينتهى.

الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى

التعليقات