مصر الحلوة 106 – «النصر على النازية (١-٢)» – 10/5/2015

مصر الحلوة 106 – «النصر على النازية (١-٢)» – 10/5/2015

   خلق الله الإنسان تاجًا لكل الخليقة، ووضعه فى الأرض ليعمرها ويبنيها، ويصنع الحضارات، ويُرسى المبادئ الإنسانية، فى ظل قيم المحبة والرحمة والعدل والمساواة. وسارت رحلة الإنسانية عبر تاريخها تحمل وميضًا من ضَوء. وحين ضل الإنسان عن هدفه الحقيقى، جاءت أزمات التاريخ التى ماتزال عالقة بالذهن والضمير البشرى، لا تكف عن الإنذار: «لقد خُلقتَ من أجل الحياة والبناء، لا الموت»!
   وتُعد النازية بما حملت من أفكار إحدى الصفحات التى رسمت صورة قاسية عن تخلى الإنسان عن رسالته فى العالم.

النازية
   لم تكُن هزيمة «ألمانيا» فى الحرب العالمية الأولى، وما ترتب عليها من توقيع معاهدة «ڤرساى» التى تضمنت اعتراف «ألمانيا» بمسؤوليتها عن الحرب وما يتبعها من تعويض الأطراف المتضرّرة ماليًا، سوى شرارة انطلقت نحو إيجاد حزب يتوحد فيه الألمان للعمل على استعادة ما فُقد من كرامة، وتحقيق الحُلم بامتلاك إمبراطورية كبيرة فى أوروبا الشرقية. وهكذا أسس «آنتون دريكسلِر» والصحفى «كارل هارِر» مع «جوتفريد فيدِر» و«ديتريتش إيكارت» حزب العمال الألمانى، فى 5/ 1 / 1919م، فى «ميونخ»، وهدَفَ الحزب إلى: توحيد العمال، وإنقاذ البلاد من الكساد الاقتصادى، واستعادة الشعور والانتماء الوطنى للشعب الألمانى بعد تعرضه للهزيمة.
   وفى سبتمبر من العام نفسه، عقد الحزب أحد اجتماعاته الذى ساده جدل شديد بسبب اقتراح أحد الحضور بانفصال «باڤاريا» عن «بروسيا» و«النمسا»، وكان «أَدُولف هتلر» حاضرًا فنهض وتحدث، وما كان من «دريكسلِر» إلا أن قدم إليه كتيبًا بعُنوان «يقظتى السياسية» فى نهاية الاجتماع. ثم قُبل «هتلر» عضوًا فى الحزب الذى تغير اسمه فى عام ١٩٢٠م إلى «حزب العمل القومى الاشتراكى الألمانى»، بِناء على اقتراح منه. وفى عام 1921م أصبح «هتلر» قائد الحزب ليبدأ عمله على تحقيق حُلمه فى إقامة الإمبراطورية الألمانية على أساس سيادة الجنس الآرى.
   وفى عام ١٩٢٩م، أصبحت أغلبية المجلس النيابى الألمانى من الحزب النازى، وبدأت الاستعدادات للحرب من خلال عدة محاور استخدمها النازيُّون فى توحيد الشعب معه:

الدعاية
   «عديد هم الذين ينظرون إليه (هتلر) بوفاء كمساعد، وكمنقذ، وكمخلص من العناء غير المحتمل»، كلمات قالها «لويس سولميتس» المدرس بمدينة «هامبورج» عام ١٩٣٢م، وهى تعكس المشهد الذى استطاع أن يقدمه الحزب النازى لرئيسه «هتلر» إلى الشعب الألمانى، وبخاصة فى عَقدَى العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين. وقد استخدم النازيُّون الصور المؤثّرة، والكلمات فى رسائل بسيطة غدت شعارات تصل إلى البسطاء من العامة لتحرك مشاعرهم مثل عبارة «ألمانيا العظمى»؛ وهكذا نجحوا فى جعل زعيمهم مرشحاً قوياً فى الانتخابات الرئاسية الألمانية عام ١٩٣٢م. وقد عبّر «هتلر» عن هذه الأيديولوجية حين ذكر فى كتابه «كفاحى»: «تحاول الدعاية فرض المذهب على الشعب كله… دعايةً تعمل على موقف الجمهور، وتنطلق من فكرة تجعل الجمهور مهيئاً لتقبُّل هذه الفكرة».
   وقد كانت الدعاية النازية مبنية على إدراك ما كانت تتعرض له «ألمانيا» من اضطراب سياسى أثناء مدة الحكومة السابقة، فعمِل الحزب على تأكيد سلطته، ودعم مفهوم أهمية وَحدة الشعب مع الحزب لكى تدفع برئيسها «هتلر» إلى قيادة البلاد. فقدموه كجندى خاض الحرب العالمية الأولى، ثم قائد أرسلته العناية الإلهية ليحرر «ألمانيا» ويُنقذها من الإهانات التى لحِقت بها بعد هزيمتها فى الحرب. إضافة إلى ما بثه الحزب من فكر فى أنه يقدِّم المقاومة لعجز النظام السابق وفساده، وتنظيم الدولة لتخليصها من الفوضى التى تسودها.
وقد ساعد على إنجاح ذلك الفكر، شخصية «هتلر» التى اتسمت بالقدرة على الخطابة والتأثير فى مستمعيه، فتمكن من الحصول على دعم شعبى كبير وبخاصة بعد تقديم وعود بتوحيد «ألمانيا»، وإعادة ملايين العاطلين إلى أعمالهم. وهكذا، أصبح وفاء الشعب وتقديسه للزعيم «هتلر» ظاهرة تجتاح «ألمانيا» فى الأعوام من ١٩٣٣م-١٩٤٥م، أمّا مصير معارضيه فلم يكُن إلا السَّجن!
   وفى عام ١٩٣٣م، صار «هتلر» مستشار ألمانيا، ثم أصبح رئيس البلاد فى ١٩٣٤م. ولم يتوقف دَور الدعاية التى يبُثها فى الشعب بعد وصوله إلى السلطة، بل حرَص على الاستمرار فى غرس الأفكار النازية، من تنظيم البلاد وتحقيق العدالة، فى الحياة العامة للشعب مستخدمًا الفنون بأنواعها، والكتابات، والتعليم، والصحافة. فقد قام الرايخ (كلمة ألمانية تعنى «إمبراطورية») وفى ظل حكم «هتلر» عُرفت «ألمانيا» باسم «الرايخ الثالث» أو «ألمانيا النازية»، بعمل غرفة ثقافية تتكون من: غرفة أفلام الرايخ، وموسيقى الرايخ، ومسرح الرايخ، والرايخ للفنون الجميلة، وإذاعة الرايخ، لمراقبة الثقافة الألمانية وتنظيمها.
   كذلك بدأ يردد رسائل إلى بلاد شرق أوروبا لرفع الولاء السياسى بين السكان الألمان فى المناطق التى خسَِرتها «ألمانيا» فى الحرب العالمية الأولى، فى محاولة لتحريك المشاعر والعواطف بقوة للنضال من أجل «ألمانيا».

الشباب
   أدرك النازيُّون دَور الشباب القوى فى إنجاح أهدافهم التوسعية، وبذلك هدَفوا إلى ضم الشباب من خلال تأكيد أن الحزب هو حركة شباب حيوى وقوى ومتفائل. وعلى ذلك انضم الملايين من الشبان الألمان إلى النازية من خلال المدارس، والمنظمات التى منها «شباب هتلر» وهى منظمة شبه عسكرية تابعة للحزب النازى بدأت ١٩٢٢م-١٩٤٥م، وقد بلغ عدد أعضائها 4.5 مليون شاب فى عام ١٩٣٦م.
   وقال «هتلر» فى ١٩٣٨م إن تدريب الشباب لديهم يبدأ من سن العاشرة للجنسين، ويستمر أربع سنوات، ثم ينتقلون إلى «شباب هتلر» مدة أربع سنوات أخرى «… وحتى إن لم يصلوا إلى الدرجة الوطنية الاشتراكية تماما، يُرسلون إلى خدمات العمل ليتم تمهيدهم مدة ستة أشهر أو سبعة…».

الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى

التعليقات